الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
405
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
حضرة خواجكا بعد الفراغ من الطعام ومشى حضرة شيخنا لمشايعته أقداما ، ثم جاء حجرته وقعد ونزع خفيه وعمامته وتعمم بمنديل مثل الأول . توجه حضرة شيخنا يوما من محلة خواجة كفشر إلى قرية ورسين لاستفسار أحوال خواجكا ، وتوجهت أنا أيضا من خلفه وحدي ماشيا . فأخطأت الطريق وبت تلك الليلة في الطريق عاجزا متحيرا . ولما وصلت في اليوم الثاني إلى ورسين كان حضرة شيخنا قد توجه منها إلى قرية أخرى بدعوة ، ولكن تشرّفت هناك بصحبة خواجكا وقد سمع أولا اسم الفقير ورأى بعض مصنفات والدي عليه الرحمة . ولما عرف الفقير أظهر التفاتا كثيرا وسأل عن أحوال الوالد فقال : قد سمعت أن لكلامه تأثيرا تاما في نفوس الخواص والعوام ، وأنه لا نظير له ولا عديل في دقائق التفسير وحقائق التأويل . وجرى بيننا أقوال كثيرة بالتقريب ، وشرع في بيان معنى قوله تعالى : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : الية 69 ] . ونقل كثيرا من أقوال علماء الظاهر والباطن ، ورد أقوال الفلاسفة القائلين بأن المراد بالنار غضب نمرود ، وبردها : إطفاء ثائرة غضبه . وأثبت كونها نارا عنصرية وأن البرودة عارضة لماهيتها بمقدمات عقلية . وبيّن في إثبات هذا المعنى من كلام أرباب التدقيق وأحوال أصحاب التحقيق ما يكون رسالة مستقلة حين تحريره ، وأضاف الفقير ثلاثة أيام ولم يفارقني في تلك المدة غير وقت النوم . وشاهدت منه ألطافا كثيرة وعناية جزيلة في تلك الأيام ظاهرا وباطنا . وأشار في الخلوة إلى شرائط ملازمة حضرة شيخنا وآداب صحبته ، وبيّن نبذة من دقائق نكات هذه الطريقة العلية ، ثم أذن لي بعد ثلاثة أيام وأرسلني إلى محلة خواجة كفشير بالفرس . هرب هو من سمرقند وقت ظهور شاه بك خان واستيلاء طائفة أوزبك على سمرقند إلى طرف أندجان ، وارتحل من الدنيا هناك رحمة اللّه عليه ، وقبره هناك . قال : لما كنا بتاشكند في مبادي أحوال حضرة شيخنا ، استأذنته عمة الفقير أن تعود مريضة من الأقرباء في الجيران ، فمنعها من ذلك . ولما سافر إلى فركت عزمت العمة أن تعودها بعد ثلاثة أيام من سفره قائلة في نفسها : إنه ذهب إلى فركت فأذهب عندها وأعودها فأخرج بذلك عن عهدة صلة الرحم . ولما وضعت قدمها خارج الباب رأت حضرة الشيخ قد ظهر راكبا فقال : أتذهبين لعيادة المريضة ؟ ارجعي ، ألم تخافي أن تكوني مريضة فيلزم عيادتك أيضا ! فرجعت ، ولما دخلت البيت عرض لها